طرف ثالث يصب الزيت على نيران الأزمة السورية وهي تخمد PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ jocp   
الأربعاء, 09 نوار 2012

شعيب الحسن

منذ سقوط أول ضحية وهدر أول دم خلال المواجهات بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية في سورية وحتى اللحظة يُجمع السوريون على إدانة العنف وإن اختلفوا فيما بينهم حول تحميل هذه الجهة أو تلك المسؤولية عنه. هكذا كانت الحال منذ بداية الأزمة، ولم يتغير أي شيء حتى اليوم، فالجميع يدينون العنف ويرفضونه مؤكدين أنه ظاهرة أو حالة غريبة ودخيلة على الثقافة الاجتماعية السورية المسالمة الرافضة للعنف بأي شكل كان وأي كان مصدره. ولا يخلو الأمر من تبرير مؤيدي طرف لممارسة العنف ضد الطرف الآخر وكل يبرر مثل هذا الموقف بقناعات سياسية تمليها المواجهة بين المعارضة والسلطة في سورية. 

وإذا كان العنف في البداية محصوراً بالمواجهات بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية أو الجيش، الذين يحمل كل طرف الآخر المسؤولية عما يجري ويبرر عنفه بـأنه رد فعل يفرضه عليه الطرف الآخر، فإن سلسة التفجيرات الأخيرة التي أخذت تهز مدناً سورية، في أيام الجمعة بصورة رئيسية، قد أدخلت على المشهد السوري المعقد أساساً مزيداً من التعقيدات برزت بتحميل الأطراف، كل الآخر، المسؤولية عن هذه التفجيرات، وزاد على ذلك إقرار، مباشر أو كاحتمال غير مستبعد، من كلا الطرفين بوجود طرف دخيل على الأزمة يحاول عرقلة وإفشال مهمة المبعوث العربي – الأممي كوفي أنان، التي تشكل لجنة المراقبين خطوة تمهيدية أولى لمراقبة التزام الأطراف ببنودها الستة.

اللافت أن الاتهامات التي تتبادلها أطراف الأزمة السورية بعد كل تفجير تشكل بحد ذاتها دوامة تُغرق متتبعيها. فالسلطة تتهم المجموعات المسلحة وتنظيمات إرهابية متطرفة مدعومة من الخارج، وفي باطن كل هذه الاتهامات إشارات غير مباشرة بأصابع الاتهام إلى المعارضة، وبصورة رئيسية معارضة الخارج، المتهمة أساساً بالتعاون مع جهات خارجية، تصل صيغة الاتهام هنا إلى درجة القول بأن المعارضة تقف وراء هذه الأعمال لتستغلها باتهام السلطة وتحميلها المسؤولية عن التفجيرات. أما المعارضة فهي توجه الاتهام عادة إلى السلطة، وتحديداً الأجهزة الأمنية بأنها تقف وراء هذه التفجيرات، وتورد مجموعة أسباب ترى أنها دفعت السلطة لتنفيذ أعمال كهذه.

ووسط دوامة تبادل الاتهامات هذه يُلاحظ تبلور رؤية جديدة في أوساط الجزء الصامت من المواطنين السوريين، الذين ما زالوا يشكلون، حسب المراقبين، غالبية عظمى بين السوريين، بأن جهات خارجية ربما تكون منظمات إرهابية تحمل فكراً تكفيرياً، وقد تكون عناصر إجرامية أو متطرفة محلية تنفذ مخططات جهات خارجية، أو مجموعات إرهابية تعمل تحت غطاء التطرف الديني إلا أنها ليست سوى تابع لأجهزة استخبارات خارجية ما، أو عناصر تعمل لخدمة مصالح قوى إقليمية حاقدة على سورية، هي التي تقف حقيقة وراء هذه الأعمال، وتريد من ذلك تعميق الخلافات بين السوريين في الوقت الذي تلوح فيه في الأفق إمكانية حقيقية للخروج من الأزمة بالطرق السياسية.

حتى وزارة الخارجية الروسية انضمت إلى منتقدي الأعمال الإرهابية وذلك في بيان رسمي صادر عنها قالت فيه إنه "لا يوجد أدنى شك بأن أولئك الذين يعارضون الجهود السلمية الرامية إلى تطبيع الوضع في البلاد يقفون وراء هذه الأعمال الإرهابية"، ولم يحدد البيان بدقة الجهة التي يرى أنها تقف وراء هذه الأعمال إلا أنه أشار إلى أن "خطة كوفي أنان التي تنص على وقف إراقة الدماء وإطلاق حوار سوري - سوري شامل تتعارض مع نواياهم الرامية إلى تغيير نظام الحكم بالقوة". لعل الخارجية الروسية تريد الإشارة بحذر عبر هذا البيان إلى دول الغرب التي يصر بعضها على التلويح بالقوة العسكرية كخيار عن خطة أنان إن فشلت.

بالعودة إلى الداخل السوري، تجدر الإشارة إلى أن كثيرين، وربما الجزء الأكبر من المواطنين في سورية، من الصامتين كما من الموالاة ومن المعارضة أيضاً، يرون بأن أطرافاً خارجية، وبغض النظر عن هويتها، تعمل حقيقة على إفشال خطة كوفي أنان، لأن هذه الأطراف تهدف إلى تدمير الدولة السورية وإغراقها بنزاعات طائفية وحرب أهلية يلغيان أية طموحات بالإصلاح وبناء دولة عادلة تكون فيها سلطة القانون فوق أي سلطة، ويبعدانها عن دورها الإقليمي، ويجعلان منها دولة ضعيفة مفككة لا قدرة لها في التأثير على الوضع في المنطقة، ولا شأن لهذه القوى في واقع وتطلعات الشعب السوري، وجل همها كيفية استغلال الوضع في سورية لخدمة مصالحها.

ختاماً أن فرضية دخول طرف ثالث على خط الأزمة السورية لم تعد مجرد فرضية بل هي واقع يهدد سورية بكل مكوناتها، الأمر الذي يضع أطراف الأزمة السورية أمام مسؤولية وطنية عليا، فوق خلافاتهم، والمفروض أنها يجب أن تدفعهم إلى الحرص المطلق على تنفيذ بنود خطة كوفي انان كلها وبحذافيرها، بداية من التعاون مع لجنة المراقبين الدوليين وصولاً إلى بدء الحوار السياسي السوري -السوري للبحث عن مخرج من الأزمة يحمي وحدة سورية الداخلية ويحافظ على مكانتها الإقليمية. ولعله من المجدي التعاون، ولو عبر المراقبين الدوليين، بين الأطراف السورية للحد من الأعمال الإرهابية وكشف القوى والجهات التي تقف وراءها، ما يتطلب بالضرورة الالتزام الفعلي بدايةً بوقف أعمال العنف من الجانبين. بهذا الشكل فقط يمكن تحديد الطرف الذي يصب الزيت على نيران الأزمة السورية بعد أن بدأت تخمد.

 

 
< السابق   التالى >

القائمة الرئيسية


تحلـيـل إخبــاري

وأخيراً حصلت حكومة النسور على ثقة مجلس النواب بأغلبية ضعيفة، وبعد معركة مراثونية حادة في مجلس النواب، تخللها نقد وتجريح وملاحظات قاسية جداً بحق الرئيس تحديداً...

ابحث في الموقع

الارشيف