| التجديد الدينى 3 |
|
|
|
| الكاتب/ jocp | |
| الأربعاء, 09 نوار 2012 | |
|
د. عبدالعاطى محمد
الاستقلالية
هى التى توفر الفرصة لغربلة التراث الإسلامى وتفعيل النزعة الانتقادية فى النظر
لهذا التراث وبلورة الإبداعات التثقيفية والفكرية التى تجسد تصورا إسلاميا مستقلا
لمواجهة تحديات العصر، يجمع ما بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والعقيدة، والتقدم
الاجتماعى والاقتصادي، والحكم الرشيد المبنى على سلطة مدنية أو ديمقراطية لا سلطة
دينية.
توقفت
محاولات التجديد الدينى على مدى العقود الماضية لأنها كانت، إما رد فعل لما جاءت
به الحضارة الغربية من تحديات للمسلمين على صعيد المجتمع والحكم فى مختلف مجالات
الحياة بدءاً من الثقافة إلى الاقتصاد مرورا بالسياسة، وإما دفاعا أو تبريرا فيما
يتعلق بالعمل على حفظ العقيدة وقوة الإيمان لدى المسلمين والتأكيد الدائم على أن
الإسلام يصلح لكل زمان ومكان.
ولأن
محاولات التجديد حصرت نفسها فى هذين الخيارين فقط، إلا ما ندر من محاولات خلاقة
وإبداعية أخري، فإن المسار العام للمسلمين مجتمعا، وحكماً لم يشهد تصورا إسلاميا
مستقلا ينبع من صحيح الإسلام يجيب على التحديات الرئيسية التى واجهتهم على صعيد
الواقع منذ بداية انفتاح الشرق على الغرب مع وقوع الحملة الفرنسية على مصر أوائل
القرن التاسع عشر، وبناء عليه لم يشهد أيضا عملا تنظيميا قويا يجسد هذا التصور،
ويتولى تفعيله على أرض الواقع. وباختصار لم تتم ترجمة كل المحاولات إلى مدرسة
فكرية وسياسية تحمل رسالتها وعنوانها، وظل الجهد مشتتا بين رد الفعل لما يأتى من
الغرب من هجوم، وبين الدفاع عن الإسلام وتبرير محاولات التوفيق المختلفة بين
الإسلام والعصر.
كان
على الذين تصدوا لمطالب التجديد أو تصدروا مشهد الفكر الإسلامى أن يجيبوا على عديد
الأسئلة التى شغلت ولاتزال تشغل اهتمامات المسلمين مثل الموقف من الاحتلال
الأجنبى، هل يتم التعامل معه والصبر عليه إلى أن يرحل أم يقاطع ويقاوم إلى أن
يرحل. فى مصر على سبيل المثال تعاون محمد عبده مع صديقه اللورد كرومر قائد
الإنجليز فى البلاد آنذاك، ولم يجد الإمام حرجا فى هذا التعاون طالما أن الإنجليز
سيساعدون فى نهضة البلاد عمرانياً وثقافيا وتعليميا، وسار على نهجه بعض من تلاميذه
ممن اندرجوا تحت عنوان الجناح الليبرالي. وفى العصر الحديث تعاون الشيعة فى العراق
مع الاحتلال الأمريكى وكانوا سندا له إلا نفر قليل منهم (الصدريون). وفى الحالتين
لم يتحصل المسلم البسيط على إجابة مقنعة من داخل الفكر الإسلامى نفسه عما إذا كان
الخيار الأفضل له أن يثور على الأجنبى المحتل أم يتعامل معه ويصبر على بلائه.
والسبب وراء هذا الغموض المفسد، يرجع إلى أن الزعماء الإسلاميين أيا كانت
اجتهاداتهم لم يخرجوا من عبائه من اعتبروهم قدوة أو مدرسة لهم فى التراث الإسلامى
القديم. لا أحد بمن فيهم محمد عبده ذاته، وبرغم كل محاولاته الإصلاحية تصدى لهذا
التراث فأزال منه ما يعتبر غثا وبلا فائدة للمسلمين وأحيا ما يعتبر صالحا ومفيدا
لهم. ويرجع التقاعس عن التصدى أو التعامل بروح ونزعة انتقادية مع التراث إلى
العلاقة التى قامت بين السلطة ورجال الدين، فأينما كانت هذا العلاقة وثيقة، جاءت
الاستجابة لدواعى التجديد محدودة وفى أحسن الأحوال تبريرية ودفاعية تدفع بالمزيد
من الدماء الجديدة فى عروق أنظمة السلطة المتهاوية فتستعيد لها الحياة مرة أخري.
واعتقد رجالات الإصلاح قديما أن الصبر على الاحتلال مطلوب، حرصا على نجاح المشاريع
السياسية التحريرية التى كان الاحتلال يتحدث عنها دائما فى كل مرة ويزعم أنه جاء
للترويج لها.
بالعودة
إلى التاريخ يمكن القول بأن الإخوان المسلمين فعلوا - قبل ثورة 25 يناير - ما كان
مطلوبا للدفاع عن صحيح الإسلام وتفعيله على أرض الواقع، فقد استنكروا الاحتلال
والاستبداد وفقدان العدالة وأوجدوا تنظيما سياسيا يترجم هذا الموقف. ولكنهم
بالمقابل تحصنوا بالقديم دون أى تجديد فكرى فقالوا بأن الخلافة هى الحل لأنها تحيى
تراثا عظيما لدى المسلمين من ناحية، وتوجه قواهم فى وجه الاحتلال بما يساعد على
طرده من ناحية أخري، وتعيد كرامة ومجد المسلمين من ناحية ثالثة. ومع أن الخلافة
قادت إلى كارثة فى تركيا، فإن الجماعة رأت أن الكارثة لم تنجم عن استمرار الخلافة
وإنما فى إسقاطها، ولذا وجب إحياؤها. إلا أن الجماعة لم تنجح فى تقديم تفسير
متكامل يجسد التجديد بالنسبة لهذا الدفاع المستميت عن الخلافة، ومن ثم عجزت عن
الإجابة على سيل من التساؤلات فى هذا الصدد، ومنها كيف يتم الحفاظ على الجوانب
والمصالح الوطنية فى دعوة كهذه فى ظل هيمنة الجوانب والمصالح العالمية، فالخلافة
فى هذه الحالة ظاهرة عالمية وليست وطنية وحسب وغالبا ما يجير البعد العالمى على
البعد الوطني، (علينا أن نتذكر أن المرشد السابق مهدى عاكف كان قد أكد أنه لا مانع
لديه من أن يأتى حاكم لمصر من ماليزيا مثلا طالما أنه يطبق الإسلام). ومن بين
التساؤلات أيضا، ما إذا كانت الدعوة إلى الخلافة تتضمن الحفاظ على المبادئ
الديمقراطية التى لا تخفى الجماعة حرصها عليها أم لا، وواقع الحال يرجح أنها ضد
هذه المبادىء، لأنها دعوة إلى سلطة دينية مطلقة وشاملة ولا تقبل تداول السلطة ومن
ثم لا تسمح بالديمقراطية. ومن جهة أخرى فإن الجماعة لم تقنع الرأى العام بشفافية
موقفها من القوى الأجنبية الغربية، هل هى مهادنة أم مقاومة، والحاصل أن تراثها
يشير إلى الاثنين معا مع أن الموقف والقضية كانا يقضيان أن تضع الجماعة نفسها فى
صف المقاومة فقط. كانت هناك علاقة ما بين الجماعة والإنجليز قبل ثورة 1952، وعلاقة
أخرى بينها وبين الأمريكان قبل وبعد ثورة 25 يناير. ونفس الإشكالية تنسحب على
علاقة الجماعة مع السلطة، فعلى الرغم من العداء الصريح بينهما وبين النظم القديمة
(عهد مبارك) فإنها فتحت معه قنوات اتصال وشاركت فى المؤسسات الديمقراطية المصنوعة
والمشكوك فى نزاهتها وبعد ثورة 25 يناير حرصت الجماعة على أن تكون لها علاقة قوية
مع المجلس العسكرى باعتباره الطرف الذى يحتكر السلطة السياسية والتنفيذية
والتشريعية (قبل الانتخابات).
الآفة
التى لحقت بمعظم إن لم يكن كل محاولات التجديد الدينى فى الماضى والحاضر هى وجود
علاقة إيجابية ما بين زعماء هذه المحاولات وبين السلطة أيا كانت هويتها فى كل زمان
ومكان، بينما كان المطلوب هو حدوث العكس أو على أقل تقدير حدوث حالة من
الاستقلالية عند هؤلاء فى مواجهة السلطات القائمة. الاستقلالية هى التى توفر
الفرصة لغربلة التراث الإسلامى وتفعيل النزعة الانتقادية فى النظر لهذا التراث
وبلورة الإبداعات التثقيفية والفكرية التى تجسد تصورا إسلاميا مستقلا لمواجهة
تحديات العصر، يجمع ما بين الحفاظ على الهوية الإسلامية والعقيدة، والتقدم
الاجتماعى والاقتصادي، والحكم الرشيد المبنى على سلطة مدنية أو ديمقراطية لا سلطة
دينية. وأما العمل خارج هذا التصور، فإنه يجعل محاولات التجديد مرتبكة وتحمل
التناقضات بين جنباتها، وغير مقنعة للجماهير ومن ثم غير مقبولة على نطاق واسع،
وتسيء إلى الإسلام أكثر مما تحسن إليه. |
| < السابق | التالى > |
|---|