تجدد الأمل بمستقبل أفضل للعمل العربي المشترك! PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ jocp   
السبت, 10 تموز 2010
 

أحوال العالم العربي ما فتئت تبعث على الأسى، ولا زالت استجابة نظامه الرسمي للتحديات الداخلية والخارجية المتعاظمة التي تجابهه واهنة وفاترة، رغم أن بعضا منها لها عليه تداعيات مصيرية. وفي مناخ الانهيارات والانكسارت الكبرى التي شهدها الوضع العربي العام، وتصاعد الخلافات والانقسامات البينية العربية، وتفشي النزاعات السياسية والدبلوماسية والعسكرية بين عدد من البلدان العربية ضعف رهان الحكومات العربية على العمل العربي المشترك وعلى بناه المؤسسية القائمة في ايجاد حلول للمشاكل والمعضلات الحادة التي تراكمت في وجهها، والاستعاضة عن ذلك بتعزيز العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة مع الدول الامبريالية ومؤسساتها المالية والنقدية الدولية وبشروط مجحفة، والاستعانة بمؤسساتها العسكرية والأمنية للدفاع عن حدودها وأمنها، كما حصل مع عدد كبير من البلدان الخليجبة بعد كارثة الغزو العراقي للكويت عام 1990. ولم تتوقف تبعات هذه الخطوة الخرقاء من جانب النظام العراقي القائم آنذاك عند حدود فتح الباب على مصراعيه أمام التواجد العسكري الأمريكي والأطلسي في منطقة الخليج الذي كانت الولايات المتحدة وأقرب حليفاتها الأطلسيات تتوق اليه وتتحين الفرص وتعد الخطط لتحقيقه، بل وشكلت أيضا حدثا فارقا في النظام العربي كانت لها تداعيات كارثية لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا، من أهمها انكشاف عجز الجامعة العربية عن الاضطلاع بمهمتها الرئيسة التي انشأت من أجلها وهي تطويق الخلافات التي تنشأ بين الدول العربية وانهائها، الأمر الذي أدى الى مزيد من التدهور في ثقة الشعوب العربية بالجامعة وتزايد الأصوات المنتقدة لآدائها، التي وصلت حد المطالبة بحلها واعلان فشلها في آداء مهامها، من جهة، وانكفاء أصوات الداعين الى اعادة هيكلتها واصلاح بناها من جهة أخرى.

المدخل الاقتصادي إن معضلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلدان العربية، النفطية وغير النفطية، لا حل ناجع لها الا في إطار التكامل الاقتصادي العربي وبالتدخل الفعال لمؤسسات العمل العربي المشترك، حتى لو تطلب ذلك تنازل كل دولة عن بعض مظاهر السيادة. هذا هو الدرس البليغ الأول الذي وفرته سبل معالجة الأزمة المالية ومن ثم الاقتصادية الخانقة الأخيرة التي اندلعت في العالم الرأسمالي وامتدت الى مختلف أنحاء العالم. لم يكن بمقدور اليونان بمفردها أن تواجه ازمتها المالية لولا مسارعة دول الاتحاد الأوروبي الى نجدتها ومساعدتها، ولا يمكن تخيل تزايد فرص البرتغال واسبانيا وايطاليا في تجنب انتقال أزمة اليونان اليها بدون الاجراءات الجماعية العاجلة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي. هذا هو أحد الأدوار الهامة الذي يمكن أن تنهض به التكتلات الاقتصادية الكبرى في طور الأزمة. إن نزوع الدول في مناطق جغرافية متعددة من العالم الى تشكيل تكتلات اقتصادية ونقدية لتحقيق العام والمشترك من المصالح الاقتصادية والاجتماعية على الصعيد الاقليمي ولتعزيز فرص المنافسة والمزاحمة على الأسواق واحتلال ومواقع جديدة من النفوذ والتأثير السياسي على الصعيد العالمي بات ظاهرة لافتة في النظام الاقتصادي الدولي السائد، ولم يبق شاذا عن هذا النزوع العام الا العالم العربي، الذي يشهد ظواهر عكسية، أي تناميا ملحوظا لمؤشرات تقوقع كل بلد عربي على الذات، وانحسارا في منظومة العمل العربي المشترك. وأمام الفشل الذريع لبرامج الاصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي أملتها المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين، وافتضاح عجزها عن حل أي من المشكلات الاقتصادية او المالية التي استهدفتها، بل تردي الأوضاع المعيشية لسكان جميع البلدان التي التزمت بهذه البرامج، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بوتائر مطردة، تجددت المطالب الشعبية بضرورة اصلاح واعادة هيكلة مؤسسات العمل العربي المشترك والبحث من خلالها وعبر التكامل الاقتصادي العربي عن حلول جادة للاصلاح الاقتصادي والمالي المنشود. ويعتبر المدخل الاقتصادي هو المدخل الأكثر أهمية وملائمة لتطوير النظام العربي وتأمين قوة الدفع اللازمة للعمل العربي المشترك، وإعمال العقل الجماعي العربي، والتقاط المصالح المشتركة بين البلدان العربية كافة لايجاد هياكل مؤسسية جديدة الى جانب اعادة هيكلة وتجديد بنى القائم منها حاليا لدفع التعاون في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والاستثمار، والبحث عن حلول للأزمات الحادة التي تواجه جميع الشعوب العربية، وإن بدرجات متفاوتة، ومنها أزمات الغذاء والمياه واقتصاد المعرفة وتوطين أحدث منجزات الثورة التكنولوجية ومنتجات ثورة الاتصالات والمعلوماتية الحديثة. اصلاح هياكل الجامعة العربية ومع انتعاش الحركات الاجتماعية والسياسية خلال العقدين الأخيرين في معظم الدول العربية، وتنامي الادراك باهمية اشاعة الديمقراطية في الحياة السياسية والعامة والدور الذي يجب ان تؤديه في عملية التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قرنت هذه الحركات في برامجها ونشاطها اليومي الملموس بين التغيير الديمقراطي وتعزيز أشكال المشاركة والرقابة الشعبية عبر المؤسسات البرلمانية المنتخبة بشكل حر وديمقراطي واشاعة الممارسات الديمقراطية وتعزيز مؤسساتها واحترام حقوق الانسان وحرياته الأساسية على صعيد كل بلد عربي على حده، وبين أن ينسحب كل ذلك على الصعيد العربي العام. وعلى هذا الأساس من الفهم جرت المطالبة باعادة بناء المؤسسات المكلفة بأهداف العمل العربي المشترك في مختلف الميادين، اضافة الى مقترحات خاصة باستحداث مؤسسات ومنح المؤسسات القائمة صلاحيات جديدة تمكنها من أداء مهامها بكفاءة واقتدار وتحقيق عائد ملموس يخدم مصالح الدول الأعضاء ويكفل تاييد المواطن العربي لمطلب التضامن العربي. تضمنت الأفكار المتعلقة باصلاح المؤسسات القائمة تخليص الأمانة العامة من الرتابة والقوالب الجامدة المفتقرة الى المرونة والابتكار، بما يمكنها من تنفيذ القرارات بشكل خلاق، ويكفل لها دورا فعالا في التطوير الشامل والمضطرد للجامعة، وبما ينسجم مع غايات العمل العربي المشترك، ويمكنها من مواكبة التبدلات والمستجدات على الصعيدين الدولي والاقليمي. وفي سياق استحداث مؤسسات جديدة جاء انشاء برلمان عربي يؤمن تنظيم مشاركة الشعوب العربية في الرقابة والاشراف على الشأن العربي العام. وهناك اقتراحات أخرى تتعلق بانشاء مجلس أمن عربي يتولى درء نشوب الخلافات والنزاعات بين البلدان العربية ويعمل على تطويق ما ينشب منها وتسويتها قبل فوات الأوان، ويؤمن صياغة مفهوم جماعي للأمن العربي لمقاومة أشكال التدخل الأجنبي، بما فيها التدخل العسكري، بالاستناد الى تجديد اليات الدفاع العربي المشترك، وتنفيذ الاقتراح القديم الذي يعود الى عام 1964 بانشاء محكمة عدل عربية ، وانشاء مجلس أعلى للثقافة العربية يعمل على حماية الثقافة العربية ويحصنها في مواجهة التحديات الثقافية التي تواجه الشعوب العربية. مدخل الدبلوماسية الجماعية لا جدال في أن ردع حكومة اسرائيل اليمينية المتطرفة عن المضي قدما في تنفيذ سياساتها العدوانية ضد الشعب العربي الفلسطيني، باقتطاع المزيد من أراضيه لغايات الاستيطان، وتهويد مدنه ، وفي مقدمتها مدينة القدس، عاصمة دولته الوطنية المنشوده، وتجميع عناصر القوة لمجابهة تعنتها في الاستجابة لمتطلبات التسوية العادلة للصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي ومواجهة غطرستها وتهديداتها ليس فقط لأمن واستقرار البلدان العربية المحيطة باسرائيل، بل وللأمن القومي العربي، وإجبار حكومات العالم، وفي مقدمتها حكومات الولايات المتحدة، ومعظم الدول الأوروبية على اعادة النظر في سياساتهم المنحازة لاسرائيل وتنطحهم الدائم للدفاع عنها وحمايتها من الادانة في المحافل الدولية، وتمكينها من التنصل من تنفيذ قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط لن يتم الا عبر جهد دبلوماسي متكامل يؤمن توظيف القدرات والطاقات التي تتوافر عليها كل دولة عربية على حدة في إطار ألية منسقة للدبلوماسية الجماعية لا تتوقف مفاعيلها على مجابهة العدوانية الاسرائيلية، بل تتجاوز ذلك الى التصدي لأي تهديد قد تتعرض له مصالح دولة أم مجموعة من الدول العربية، كالتعدي على حقوق مصر والسودان المائية من جانب دول منبع نهر النيل وغيرها. شكوى العديد من الدول العربية من تدخل دول الجوار للعالم العربي في شئونه الداخلية، تدخل ايران السافر في شؤون العراق على سبيل المثال، ناهيك عن الاستباحة غير المسبوقة لسيادة واستقلال دوله من جانب حكومات وجيوش واساطيل حلف الأطلسي، والتي قلما نسمع تذمرا أو شكوى من جانب النظام العربي، مردها غياب آلية دبلوماسية جماعية وموقف عربي جماعي. وهذا ما يشكل مصدر إغراء لكل من له مطامع في تعزيز نفوذه السياسي والدبلوماسي أو في الهيمنة على مقدرات المنطقة ونهب ثرواتها النفطية والتحكم في مساراتها ومصائرها. ولمجابهة قوى عاتية تترصد بالعالم العربي يتعين على العالم العربي بناء علاقات بناءة تقوم على الثقة وحسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتطوير المصالح المشتركة والتنسيق الأمني مع كافة البلدان التي تحيط بالعالم العربي، و سيما ايران وتركيا وارتريا التي تقدمت بطلبات للحصول على موقع مراقب في الجامعة العربية. وفي هذا السياق أسفرت قمة سرت الأخيرة عن تطور هام فيما يتعلق بتعزيز العلاقات مع دول الجوار باعتبار ذلك ركيزة أساسية للأمن القومي العربي. ونتطلع لأن تقر القمة الاستثنائية القادمة في شهر تشرين اول القادم في ليبيا أن تتخذ قرارا ايجابيا بصدد مشروع انشار رابطة الجوار العربي الذي اقترحه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى. قمة طرابلس الخماسية اوصت القمة الخماسية، التي ستحال قراراتها باعتبارها توصيات على مؤتمر القمة الاستثنائي في تشرين اول القادم، بان تعقد القمة العربية مرتين في العام "قمة عادية وقمة تشاورية تعقد في دولة المقر" اي في مصر، كما دعت الى عقد "قمم عربية نوعية" لبحث امور اقتصادية واجتماعية وتنموية وثقافية. واوصت قمة طرابلس ايضا بـ"قيام الدول العربية بتأهيل مفرزة في قواتها المسلحة للمساهمة فى عمليات حفظ السلام"، ودعت الى ان يصبح الامين العام لجامعة الدول العربية "رئيس المفوضية" العربية، يعاونه عدد من المفوضين يشرف كل منهم على قطاع محدد. وكلفت الامانة العامة للجامعة العربية بـ "إعداد البرنامج الزمني (في حدود خمس سنوات) اللازم لتنفيذ خطوات تطوير منظومة العمل العربي المشترك والتبعات المالية المترتبة على ذلك".وقررت اللجنة الرئاسية العليا للقمة إنشاء مجلس تنفيذي على مستوى رؤساء الحكومات أو من في حكمهم يتولى مهمة الإشراف على تنفيذ قرارات القمم العربية - المجلس الأعلى - والمتعلقة بالمجالات التنموية الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا مسؤولية الإشراف المباشر على أنشطة وبرامج المنظمات المتخصصة والمجالس الوزارية القطاعية، وكذلك كافة المهام التي كانت موكلة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي.وأوصت اللجنة بإعادة تشكيل مجلس السلم والأمن العربي بما يضمن فعاليته وزيادة عدد الأعضاء مع مراعاة التوازن الجغرافي عند تشكيله، وتوسيع مهامه، وإقامة الآليات المنصوص عليها في نظامه الأساسي. وطالبت بضرورة الإسراع في اتخاذ الخطوات اللازمة لإقرار النظام الأساسي للبرلمان العربي الدائم، وبتكليف وزراء الخارجية وكذلك وزراء العدل العرب بإعادة دراسة النظام الأساسي لمحكمة العدل العربية باعتبارها أحد الأجهزة الرئيسية في منظومة العمل العربي المشترك، وايضا تكليف الأمانة العامة بإعداد البرنامج الزمني "في حدود 5 سنوات"، اللازم لتنفيذ اخطوات تطوير منظومة العمل العربي المشترك والتبعات المالية المترتبة على ذلك. معالجة الخلل ليس بحل الجامعة! وبسبب حالة الاحباط التي تخيم على العالم العربي وتزايد المشاكل التي تعاني منها البلدان العربية وعجز النظام العربي عن منع تفاقمها، ناهيك عن حلها ثمة راي سائد لدى أوساط شعبية واسعة يقول أن الجامعة العربية شاخت وانتهى دورها ولم يعد بالامكان اصلاحها، والأجدر عدم الرهان على كيان يتدهور باستمرار وينحدر نحو الحافة. وهذا الرأي وإن كان له بعض الوجاهة الا أنه لا يأخذ بالاعتبار أن غياب إطار أو كيان مؤسسي عربي جامع، رغم نواقصه وعيوبه وثغراته سيؤدي الى نوع من الفراغ، ناهيكم عن عدم وجود بديل يصلح لتبادل الرأي والحوار والتعاون في بعض الأنشطة المشتركة وإن كانت بحدها الأدنى. إن عدم وجود إطر ومؤسسات للعمل العربي المشترك سيشكل نقصا كبيرا وفادحا لا يمكن سده بالغاء كيان الجامعة، بل يمكن باصلاحه ومعالجة أسباب الخلل، ناهيكم عن معالجة الوضع العربي الرسمي في كل بلد عربي على حده. ولعل هذه المراجعة تحتاج الى مراجعة حقيقية للتجربة على مدى ستة عقود ونيف من الزمان وتجديد جذري متدرج، بتنفيذ خطوات بالاتجاه الصحيح. وهذه هي مسئولية النظام الرسمي العربي الذي عليه أن يتخلص من اللامبالاة والتنصل من المسئولية والانكفاء القطري وقيادة العمل العربي المشترك من فشل الى انتكاسة، ومن تعطيل الى إجهاض. وبدلا من الغاء الجامعة وحلها وتصفية مؤسساتها على قوى المجتمع المدني العربي الموازي ومؤسساته والقوى والأحزاب السياسية والشعبية ممارسة دورها وتحمل مسئولياتها من خلال ممارسة شتى أشكال الضغوط السياسية والشعبية على الجامعة وأعضائها كل على حدة. وعلى هذه المنظمات أن تتحول من مجرد منظمات اعتراض واحتجاج الة قوة اقتراح وشراكة. والعمل العربي المشترك لا يعاني من نقص في الرؤى والأفكار والتصورات والمقترحات، بل يعاني من عجز في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه والالتتزام به، على مؤتمر القمة الاستثنائي القادم أن يجدد الأمل وأن يضع أولى لبنات التجديد في هياكل الجامعة العربية وتفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك.
 
التالى >

القائمة الرئيسية


تحلـيـل إخبــاري

 

أحوال العالم العربي ما فتئت تبعث على الأسى، ولا زالت استجابة نظامه الرسمي للتحديات الداخلية والخارجية المتعاظمة التي تجابهه واهنة...

ابحث في الموقع

الارشيف